الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
52
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والدرجات مستعارة لعظمة الشرف ، والتفضيل : إعطاء الفضل ، وهو الجدة والنعمة ، وفي الحديث : « ويتصدقون بفضول أموالهم » . والمعنى : النعمة في الآخرة أعظم من نعم الدنيا . [ 22 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 22 ] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) تذييل هو فذلكة لاختلاف أحوال المسلمين والمشركين ، فإن خلاصة أسباب الفوز ترك الشرك لأن ذلك هو مبدأ الإقبال على العمل الصالح فهو أول خطوات السعي لمريد الآخرة ، لأن الشرك قاعدة اختلال التفكير وتضليل العقول ، قال اللّه تعالى في ذكر آلهة المشركين وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] . والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم تبع لخطاب قوله : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 21 ] . والمقصود إسماع الخطاب غيره بقرينة تحقق أن النبي قائم بنبذ الشرك ومنح على الذين يعبدون مع اللّه إلها آخر . و فَتَقْعُدَ مستعار لمعنى المكث والدوام . أريد بهذه الاستعارة تجريد معنى النهي إلى أنه نهي تعريض بالمشركين لأنهم متلبسون بالذم والخذلان . فإن لم يقلعوا عن الشرك داموا في الذم والخذلان . والمذموم : المذكور بالسوء والعيب . والمخذول : الذي أسلمه ناصره . فأما ذمه فمن ذوي العقول ، إذ أعظم سخرية أن يتخذ المرء حجرا أو عودا ربا له ويعبده ، كما قال إبراهيم - عليه السلام - أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ : [ الصافات : 95 ] ، وذمه من اللّه على لسان الشرائع . وأما خذلانه فلأنه اتخذ لنفسه وليا لا يغني عنه شيئا إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر ؛ 14 ] ، وقال إبراهيم - عليه السلام - يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] ، وخذلانه من اللّه لأنه لا يتولى من لا يتولّاه قال : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمّد : 11 ] وقال وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ * [ غافر : 50 ] . [ 23 ، 24 ] .